السيد محمد حسين فضل الله

159

من وحي القرآن

لا تمثل الإنسان العاقل الواعي الذي يعرف الأشياء من مواقعها الأصيلة ، بل تمثل الإنسان الضائع الذي يتخبّط في متاهات الضلال فلا يميز بين الأمور ، ولكنهم - في الوقت نفسه - لم يكونوا يحملون مقياسا واضحا للهدى والضلال يمكن دراسة الدعوة من خلاله ، بالتالي فلا معنى لاتهاماتهم ، إذ لا معنى لأن تتّهم إنسانا بالضلال ، إذا لم تقدم له المعطيات التي تثبت خطأ الفكرة التي يسير فيها أو يدعو لها . قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ فأنا أنادي بالحقيقة الواضحة التي تحمل فكر التوحيد ، ودعوة العبادة للإله الواحد ، من موقع وضوح الرؤية للأشياء ، في ما تفرضه من قناعة مؤكّدة وموقف حاسم ، فإذا كان لكم شك في ذلك ، أو كنتم تعتبرون ذلك خطأ ، فتعالوا نناقش المسألة ، لنعرف من هو على هدى ومن هو في ضلال مبين ؟ أما أنا فمقتنع بأن ليس بي ضلالة ، في ما أحمله من فكر ، وما أسير به من طريق وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ في ما حمّلني اللَّه من وحيه وشريعته ، وما أرادني إعلانه من دعوته ؛ فلا بد لكم من الاستجابة لي ، إذا كنتم تريدون الاستجابة للَّه رب العالمين . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي بكل أمانة ، من غير زيادة ولا نقصان ، فذلك هو دوري معكم ، دور المبلّغ الأمين . . . ولكن دور الرسول ليس دور المبلّغ الحيادي الذي يكتفي بإيصال الرسالة دون أن يتبناها ، بل دور من يحملها بقناعة وقوة وإيمان ، وهذا ما توحي به الكلمة التالية : وَأَنْصَحُ لَكُمْ باتّباعها والسير على منهجها في الفكر والعلم لتحصلوا على سعادة الدنيا والآخرة . وقد يستوحي المتأمل من كلمة « النصح » الجوّ النفسي الحميم الذي كان يعيشه نوح تجاه قومه ، فهو الإنسان الذي يتألم لانحرافهم وضلالهم ، ويفكر في أفضل الطرق لإخراجهم من ذلك الضياع ، فيقدم لهم النصيحة من كل روحه وقلبه ؛ وتلك هي روحية الداعية في مواجهته للناس الذين يدعوهم إلى اللَّه . وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فقد أعطاني اللَّه - من خلال وحيه - كثيرا من العلم في ما يجب على